سيد محمد طنطاوي

470

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بها هنا : رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، لقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( رَسُولٌ مِنَ اللَّه يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ) * ، ولأنه صلى اللَّه عليه وسلم كان في ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة ، لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق ، ولإتيانه بالمعجزات التي تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه . والمعنى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، ولم يكن - أيضا - الذين كذبوا الحق من المشركين ، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم ، * ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) * التي هي الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فلما أتتهم هذه البينة ، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « كان الكفار من الفريقين ، أهل الكتاب ، وعبدة الأصنام ، يقولون قبل مبعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبي المكتوب في التوراة والإنجيل ، وهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، فحكى اللَّه - تعالى - ما كانوا يقولونه ، ثم قال : * ( وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) * ، يعنى أنهم كانوا يعدون باجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ، ولا أقرهم على الكفر ، إلا مجيء الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقني اللَّه - تعالى - الغنى ، فيرزقه اللَّه الغنى فيزداد فسقا ، فيقول له واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار ، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما . وانفكاك الشيء من الشيء ، أن يزايله بعد التحامه به . كالعظم إذا انفك من مفصله . والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة . « 1 » . ومنهم من يرى : أن * ( مُنْفَكِّينَ ) * بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين ، أي : لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك ، حتى تأتيهم البينة ، على معنى قوله - تعالى - : أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر اللَّه - تعالى - وقدرته ونظره لهم ، حتى يبعث اللَّه - تعالى - إليهم رسولا منذرا ، تقوم عليهم به الحجة ، ويتم على من آمن النعمة ، فكأنه - تعالى - قال : ما كانوا ليتركوا سدى . . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 782 . ( 2 ) راجع تفسير « أضواء البيان » ج 8 ص 397 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .